فخر الدين الرازي
277
تفسير الرازي
القراءة الرابعة : جملة بضم الجيم وهي القلس ، وقيل : صفر لإرادة الجنس ، أما قوله : صفر فالأكثرون على أن المراد منه سود تضرب إلى الصفرة ، قال الفراء : لا ترى أسود من الإبل إلا وهو مشوب صفرة ، والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار كان أشبه بالجمل الأسود الذي يشوبه شيء من الصفرة . وزعم بعض العلماء أن المراد هو الصفرة لا السواد ، لأن الشرر إنما يسمى شرراً ما دام يكون ناراً ، ومتى كان ناراً كان أصفر ، وإنما يصير أسود إذا انطفأ ، وهناك لا يسمى شرراً ، وهذا القول عندي هو الصواب . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى شبه الشرر في العظم بالقصر ، وفي اللون والكثرة والتتابع وسرعة الحركة بالجمالات الصفر ، وقيل : أيضاً إن ابتداء الشرر يعظم فيكون كالقصر ثم يفترق فتكون تلك القطع المتفرقة المتتابعة كالجمالات الصفر ، واعلم أنه نقل عن ابن عباس أنه قال في تفسير قوله : * ( إنها ترمي بشرر كالقصر ) * أن هذا التشبيه إنما ورد في بلاد العرب ، وقصورهم قصيرة السمك جارية مجرى الخيمة ، فبين تعالى أنها ترمى بشرر كالقصر ، فلما سمع أبو العلاء المعري بهذا تصرف فيه وشبهه بالخيمة من الأديم ، وهو قوله : حمراء ساطعة الذوائب في الدجى * ترمى بكل شرارة كطراف ثم زعم صاحب الكشاف أنه ذكر ذلك معارضة لهذه الآية ، وأقول : كان الأولى لصاحب الكشاف أن لا يذكر ذلك ، وإذ قد ذكره فلا بد لنا من تحقيق الكلام فيه ، فنقول : تشبيه الشرارة بالطراف يفيد التشبيه في الشكل والعظم ، أما الشكل فمن وجهين الأول : أن الشرارة تكون قبل انشعابها كالنقطة من النار ، فإذا انشعبت اتسعت فهي كالنقطة التي تتسع فهي تشبه الخيمة فإن رأسها كالنقطة ثم إنها لا تزال تتسع شيئاً فشيئاً الثاني : أن الشرارة كالكرة أو الأسطوانة فهي شديدة الشبه بالخيمة المستديرة وأما التشبيه بالخيمة في النظم فالأمر ظاهر ، هذا منتهى هذا التشبيه . وأما وجه القدح فيه فمن وجوه الأول : أن لون الشرارة أصفر يشوبها شيء من السواد ، وهذا المعنى حاصل في الجمالات الصفر وغير حاصل في الخيمة من الأديم الثاني : أن الجمالات متحركة والخيمة لا تكون متحركة فتشبيه الشرار المتحرك بالجمالات المتحركة أولى والثالث : أن الشرارات متتابعة يجيء بعضها خلف البعض وهذا المعنى حاصل في الجمالات الصفر وغير حاصل في الطراف الرابع : أن القصر مأمن الرجل وموضع سلامته فتشبيه الشرر بالقصر تنبيه على أنه إنما تولدت آفته من الموضع الذي توقع منه الأمن والسلامة ، وحال الكافر كذلك فإنه كان يتوقع الخير والسلامة من دينه ، ثم إنه ما ظهرت له آفة ولا محنة إلا من ذلك الدين ، والخيمة ليست مما يتوقع منها الأمن الكلي الخامس : أن العرب كانوا يعتقدون أن كل الجمال في ملك الجمال وتمام النعم إنما يحصل بملك النعم ، ولهذا قال تعالى : * ( ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ) * فتشبيه الشرر بالجمال السود كالتهكم بهم ، كأنه قيل لهم : كنتم تتوقعون من دينكم كرامة ونعمة وجمالاً إلا أن ذلك الجمال هو هذه الشرارات التي هي كالجمال ، وهذا المعنى غير حاصل في